محمد حسين هيكل

242

حياة محمد ( ص )

قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) « 1 » . فلمّا لم يكفّ المسلمون بعد هذه الآية ، وكان بعضهم يقضي ليله متوافرا على شرابه حتى كان إذا ذهب إلى صلاته لا يعلم ما يقول فيها ، عاد عمر فقال : اللهم بين لنا في الخمر ، فإنها تذهب العقل والمال ؛ فنزلت الآية : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) « 2 » . ومن يومئذ كان منادي الرسول ينادي وقت الصلاة : لا يقربنّ الصلاة سكران . وعلى رغم ما كان يقضي هذا الأمر من الإقلال من الشراب ، وما كان له في هذه الناحية من أثر بالغ جعل الكثيرين يقلون من الخمر ما استطاعوا ، عاد عمر بعد زمن يقول : اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب العقل والمال . وقد كان عمر في حلّ من قولها أن كان العرب ، والمسلمون من بينهم ، يصل بهم الشراب إلى حد يجعلهم يعربدون ، يأخذ بعضهم بلحية بعض ، ويهوي بعضهم على رأس بعض . دعا بعضهم جماعة إلى طعام وشراب ، فلما ثملوا ذكروا المهاجرين والأنصار ، فأبدى أحدهم التعصب للمهاجرين فأخذ متعصّب للأنصار بعظمة من عظام رأس الجزور التي يأكلونها فجرح بها أنف المهاجريّ . وثمل حيّان فتشاجرا فشجّ بعضهم بعضا فوقعت في أنفسهم الضغائن ، وكانوا من قبل ذلك أحبة متصافين . إذ ذاك نزل قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) « 3 » وقد كان أنس الساقي يوم حرّمت الخمر ، فلمّا سمع المنادي بتحريمها بادر فأراقها - ولكن أناسا لم يرقهم هذا التحريم فقالوا أتكون الخمر رجسا وهي في بطن فلان وفلان قتل يوم أحد ، وفي بطن فلان وفلان قتل يوم بدر ! فنزل قوله تعالى : ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) « 4 » . وما أمر به الإسلام من البرّ والرحمة ، وما دعا إليه من عمل الخير ، وما في عبادته من رياضة النفس والطبع ، وما يصل إليه الركوع والسجود في الصلاة من قتل غرور القلب ، كل ذلك جعله الكمال الطبيعيّ للأديان التي سبقته ، وجعل الدعوة إليه للناس كافة . دولتا الرومان والفرس كان هرقل وكسرى يومئذ على رأس دولتي الرومان والفرس أقوى دول العصر وصاحبتي الإملاء في سياسة العالم ومصاير أممه جميعا . وكانت الحرب سجالا بين الدولتين كما رأيت ؛ وكانت الفرس صاحبة الغلب أوّل الأمر فاستولت على فلسطين وعلى مصر ووضعت يدها على بيت المقدس ونقلت منه الصليب . ثم دارت على الفرس الدائرة ، فعادت أعلام بزنطية تخفق مرة أخرى على مصر وعلى سورية وفلسطين ، واستردّ هرقل الصليب بعد أن نذر ، إن هوتم له النصر ، أن يحج إلى بيت المقدس ماشيا حتى يردّ الصليب فيه إلى مكانه . ومن اليسير عليك إذ تذكر مكانة الدولتين أن تقدر ما يبعثه اسمهما من الرهبة إلى النفوس ومن الهيبة إلى القلوب ، حتى لا تفكر دولة في التعرض لهما ، ولا يدور بخلد أحد أن يفكر في غير خطبة ودّهما . أمّا وذلك شأن دول العالم المعروفة يومئذ جميعا ، فقد كان أجدر ببلاد العرب أن يكون ذلك شأنها . فقد كانت اليمن والعراق تحت نفوذ فارس ، وكانت مصر والشام تحت نفوذ هرقل ؛ فكان الحجاز وسائر شبه الجزيرة محصورا في

--> ( 1 ) سورة البقرة آية 219 . ( 2 ) سورة النساء آية 43 . ( 3 ) سورة المائدة آيتا 90 و 91 . ( 4 ) سورة المائدة آية 93 .